16 May 2010

BULE


بعد أن فتح الإسلام بلادنا وحررها من احتلال الخواجات الذي دام أكثر من 1000 عامًا، وقام بتوحيدنا وصهرنا معًا، وأعاد إنتاجنا أمةً عربيةً إسلاميةً واحدة.



عشنا حوالي أربعة قرون في أمان بعيدًا عن خطر الخواجات وغزواتهم وشرورهم، ولكنهم للأسف لم يتركونا في حالنا، ولم يعترفوا أبدًا بأن هذه أرضنا نحن.



ففي عام 1095م، قام خواجة من البر الثاني هو البابا أربان الثاني بالدعوة إلى مؤتمر حاشد في مدينة كليرمونت بجنوب فرنسا، حضره جمع غفير من الأساقفة ورجال الدين والأمراء والإقطاعيين، وألقى فيهم خطبة عصماء، خلاصتها أن الرب يريد تحرير أرض السيد المسيح وقبره في فلسطين من الكفار.



فما كان من المحتشدين، إلا أن هتفوا وراءه: "الرب يريدها، الرب يريدها"، وهي الصيحة التي أصبحت فيما بعد هي الشعار الرسمي للحملات الصليبية، ثم انصرف الحاضرون كلٌّ إلى حال سبيله، ليعد نفسه للحملة المقدسة.



وفي 1096م انطلقت الحملة الصليبية الأولى وقامت باغتصاب أول إمارة إسلامية, هي إمارة الرها على الحدود الحالية بين العراق وتركيا، ثم اغتصبت إنطاكية عام 1098م، ثم اغتصبت القدس عام 1099م، وكان ذلك يوم 15 يوليو.



مكث الخواجات الفرنجة الصليبيون في أراضينا ما يقرب من مائتي عام، من 1096م حتى 1291م.



وحققوا انتصارات سهلة في البداية بسبب حالة الانقسام والتفتت التي سادت أمتنا في ذلك الوقت، بين الدولة العباسية في العراق والفاطمية في مصر, وعشرات الإمارات المتصارعة المتنافسة على امتداد أرض الوطن.



وتحت تأثير الصدمة، بدأت حركة المقاومة العربية الإسلامية تتبلور شيئًا فشيئًا، فنجح الجيل الأول منها بقيادة عماد الدين زنكي في توحيد الموصل وحلب وحماة وحمص، ليتمكن من تحرير إمارة الرها عام 1144م.



ثم نجح الجيل الثاني بقيادة نور الدين محمود في ضمِّ دمشق أيضًا إلى دولة الوحدة الجديدة عام 1154م، لتتوحد الجبهة الشمالية تحت قيادته كحائط صد منيع ضد الصليبيين.



ثم جاء الجيل الثالث بقيادة صلاح الدين الأيوبي، الذي استكمل عملية التوحيد بضم مصر وسوريا والعراق، مما مكَّنه من توجيه ضربة قاصمة لجيوش العدو في معركة حطين في 4 يوليو عام 1187م، ثم تحرير القدس واستردادها، في 27 سبتمبر من عام نفس العام، بعد حوالي 90 عامًا من الأسر.



وكانت هذه هي الضربة الرئيسة التي كسَّرت شوكة المشروع الصليبي، ولتتوالى بعد ذلك معارك التحرير:

- فيحرر الظاهر بيبرس قيسارية وأرسوف وصفد ويافا وإنطاكية في الأعوام 1265- 1268م.

- ويحرر المنصور قلاوون اللاذقية وطرابلس وبيروت وجبلة في الأعوام 1285- 1289م
- وأخيرًا ينجح الأشرف خليل بن المنصور عام 1291م، في تحرير عكا بعد أسرٍ دام 103 سنوات، وكانت هي الإمارة الصليبية الأخيرة، وتتطهر بلادنا تمامًا من آخر خواجة.

***

مصر والخواجات

قبل أن نغادر حكاية الحروب الصليبية، يجب أن نتوقف عند حكايتهم مع مصر.



ففي عام 1248م جمع الخواجة لويس التاسع ملك فرنسا مستشاريه ورجال بلاطه، وسألهم عن أسباب تعثر الحملات الصليبية في الشرق رغم مرور أكثر من 150 عامًا على بدايتها، وبعد البحث والدراسة والتشاور، توصلوا إلى أن "مصر هي السبب": فهي الصخرة التي كانت تتكسر عليها دائمًا موجات التوسع الصليبية، وهي التي قادت تحرير القدس مرتين، مرة عام 1187م بقيادة صلاح الدين، والمرة الثانية عام 1244 بقيادة الصالح نجم الدين أيوب.



كما توصلوا إلى أن الحملات الصليبية الأولى ارتكبت خطأً إستراتيجيًّا كبيرًا، هو اقتحامها للمنطقة من الشرق لتكتشف بعد استيلائها على معظم ساحل الشام، أن العقدة الرئيسية في مصر، وإنها الحصن الأكثر مناعةً.



فما كان من لويس التاسع بعد أن استمع إلى مستشاريه، إلا أن نظَّم حملةً جديدةً موجهةً مباشرةً إلى مصر، مصححًا بذلك الخطأ الذي وقعت فيه الحملات السابقة، وكانت هذه هي الحملة السابعة.



وبالفعل، وصل إلى سواحل دمياط عام 1249م وبعد عدة شهور من المعارك، هُزِمَ هزيمة قاسية، وتم أسره في دار ابن لقمان، وافتدى نفسه بمالٍ كثير، وعند خروجه من مصر أصدر تصريحه الشهير أن الشرق قد ضاع إلى الأبد، وأنه لم يعد من الممكن الاستيلاء على هذه البلاد، فلقد أصبحت ملكًا للعرب والمسلمين.



وبعدها حاول لويس أن يقوم بمغامرة جديدة في تونس، وكانت حملةً ضعيفةً سُميت بالحملة الثامنة، ومات هناك.

***



انتهت حكايتنا الثانية مع الخواجات، ويمكننا أن نبلور أهم دروسها في الآتي:

1) لم يكف الخواجات أبدًا عن الطمع في أوطاننا، والتربص بها.

2) مثلت الحروب الصليبية اختبارًا حقيقيًّا لاختصاصنا بهذه الأرض، وهو الاختبار الذي نجحنا فيه بجدارة، وخرجنا منه والعالم أجمع يعلم أن هذه الديار لنا.

3) تأكد للمرة الثانية أن استقلالنا يكمن في وحدتنا، فالانتصارات الأولى للحملات الصليبية نجحت بسبب الانقسام والتشرذم العربي والإسلامي، ولم ننتصر عليهم إلا بعد أن توحدنا، وهو نفس درس التاريخ الذي تعلمناه من حكايتنا الأولى قبل الميلاد، وقبل الفتح الإسلامي.

4) تعلم الخواجات حقيقة مهمة ستظهر آثارها في العصر الحديث، وهي أن كسر شوكة مصر وفصلها عن الأمة هو الطريق الوحيد لإخضاع كل منهما

No comments: