25 March 2013


الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.. (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) (الجمعة: 2). المربي، هو عماد العملية التربوية، وحجر الزاوية في بناء الدعوة، كما وصفه الإمام حسن البنا، حين قال: "الأسرة هي قاعدة الأسس في بناء دعوتنا، ومسئولها (يقصد النقيب/ المربي) هو حجز الزاوية في هذا البنا". واللافت للنظر في هذا الكلام البليغ للإمام البنا، أن حجر الزاوية في البناء هو إمام الأحجار، يحرص البناء (رجل البناء) أن يجعله مستقيمًا موزونًا ومستقرًا، ويشد عليه الخيط، ومن بعده يصف بقية لبنات الصف، لأنه في استقامته واتزانه استقامة واتزان لما بعده من البنات. ولا قدر الله أي انحراف أو خلل في وضعه يؤثر مباشرًا على ما بعده من لبنات، وقد يؤدي إلى خلل في معظم البناء. من هنا يتضح دور المربي في العملية التربوية، بل دوره وأثره في بناء الدعوة عمومًا، حيث تنعقد عليه كثير من الآمال في بناء الأجيال وتربية الرجال، وبقدر فهمه واستيعابه لدوره، وادراكه لعظم ما يقوم به من مهام، والنتائج المترتبة على ذلك، يكون فعله وأثره وحركه إن شاء الله، بعد توفيق الله له. ومن مهام ووظائف المربي على طريق الدعوة: 1- أن يتمثل القدوة أمام إخوانه، في عبادته وأخلاقه وسلوكه، في قوله وعمله. وأفضل صور القدوة، هي القدوة العملية (فحال رجل في ألف رجل أبلغ وأنفع من قول رجل في ألف رجل)، ورجل القول غير رجل العمل. 2- أن يربط إخوانه بالمنهج والمبدأ، وأن يحرص على علاقة إخوانه بأصول ومبادئ هذه الدعوة، ولا سيما معينها الصافي (القرآن والسنة) وسير الصالحين والدعاة المجاهدين. فمن المهام الأساسية للمربي، أن يربط إخوانه بكتاب الله (تلاوة- تدبرًا- فهمًا- تطبيقًا)، ويربطهم بسيرة نبيهم الكريم وسنته العملية والقولية، وسير الصالحين والدعاة السابقين الذين ثبتوا وضحوا وجاهدوا على هذا الطريق. وهنا تتجسد معاني الربانية في المدعو حينما يرتبط عقله وقلبه وسلوكه بكتاب الله وسنة نبيه الأمين وسير الصالحين والعباد والدعاة والمجاهدين. 3- أن يطوع إخوانه للفكرة والمنهج والمبدأ وليس لنفسه أو غيره من الناس، الدعوة تبقى ويفنى الدعاة، والمبادئ تبقى ويزول الأشخاص، وبالتالي يدور الأفراد مع الحق حيث دار. 4- تعميق مبادئ الشريعة في نفوس إخوانه وتعويدهم على عرض كل شيء على الشرع وعلى الحق، فيكون هو المقياس الذي يرجعون إليه. وبالتالي يتربى إخوانه على قياس ووزن أمورهم جميعا (الدعوية والحياتية) بمقياس وميزان الشرع الحكيم، والنتيجة لن يضلوا أبدًا. (تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدًا، كتاب الله وسنتي). 5- تعميق معاني الأخوة والحب في الله بين إخوانه، لأن الأخوة سر القوة كما قال الإمام البنا (أخوتكم سر قوتكم)، وهي أساس قوة الجماعة، وتماسك لبناتها وأعضائها، كما أنها سبيل لرضوان الله ونيل الأجر، وأن نستظل بظله يوم لا ظل إلا ظله. 6- التعرف الدقيق والعميق والواضح على إخوانه، من خلال المخالطة والمعايشة الحقيقية لهم ولظروفهم وواقعهم، ففي ذلك فرصة كبيرة لحسن تربيتهم ورعايتهم، لأن المعايشة أساس التربية، فضلاً عن أن المعايشة تسمح له بحل مشكلاتهم، واكتشاف ما عندهم من المواهب وتنميتها وتوظيفها. وبالتالي كان تفعيل أركان الأسرة من المهام الأولية للمربي وهي (التعارف- التفاهم- التكافل). 7- الحرص على إخوانه، ورعايتهم، والسهر على حل مشاكلهم ولا سيما وهي صغيرة، فلا يغفل عن مشكلاتهم حتى تكبر وتتفاقم ويصعب حلها، ولكن يتعامل معها سريعًا، ويتعهدها مبكرًا، وهذا من حق إخوانه عليه، فضلاً عن حرصه على جعل إخوانه يتعاونون فيما بينهم في التغلب على صعابهم ومواجهة مشكلاتهم، ففي ذلك تقريب وتأليف بينهم إن تعاونوا. ولا مانع من الجهود الفردية أحيانًا في حل بعض المشكلات لدي أحد إخوانه. وبالتالي كان المربي القدوة المتميز هو ما يجمع بين أسلوبي التربية (الفردية- الجماعية)، سواء في التربية عمومًا أو حل المشكلات خصوصًا. 8- أن يغرس في نفوس إخوانه الثقة في المنهج، والثقة في الطريق، والثقة في القيادة، مع تربية إخوانه على النصح وإبداء الرأي لما فيه صالح الدعوة ودرء المفاسد عنها، بشرط أن تكون النصيحة وفق ضوابطها الشرعية المعروفة، وعبر قنواتها وآلياتها المتبعة، لأن النصيحة مطلوبة من الجميع وللجميع. عن تميم بن أوس الداري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (الدين النصيحة ثلاثًا قلنا لمن يا رسول الله قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم) رواه مسلم.. 9- تشجيع روح المناقشة والحوار بين إخوانه، من منطلق أنهم أصحاب دعوة وليسوا أجراء فيها، وتربية إخوانه على التفكير لدعوتهم، وعرض المقترحات والأفكار التي تسمو وتنهض بها، وأن يغرس فيهم مبدأ ملكية هذه الدعوة، بمعنى أنها دعوتنا جميعًا، يجب أن نخاف عليها جميعًا، ونفكر ونقترح لها جميعًا، وننميها جميعًا، ونحمل همها جميعًا، فمن ملك شيئًا حرص عليه وعلى تنميته. كل ذلك في إطار من الأخوة والثقة والتأدب بآداب العمل الجماعي وآلياته. 10- الحرص على تفعيل المنهج التربوي، وتحقيق أهدافه الشاملة في إخوانه، بمجالاتها المعرفية والوجدانية والسلوكية، وأن يوظف هذا المنهج لرعاية المتميزين منهم، ودفعهم وتعزيز تميزهم، وأيضًا توظيف المنهج لحل مشكلات المتعثرين منهم، وعونهم في تجاوز عثراتهم برفق ولين. من هنا تظهر أهمية قاعدة (التربية بالأهداف والنتائج)، حيث نرى أثر المنهج شاملاً في تربية الأفراد، ولا يتوقف الأمر عند كتب تدرس أو محتويات تقرأ. 11- المربي هو همزة الوصل الصادقة بين القيادة وبين إخوانه (في الاتجاهين النازل والصاعد) وبنفس الروح، بمعنى أن المربي القدوة يجب عليها أن يكون معدن جيد التوصيل لحرارة ونبض الدعوة من وإلى إخوانه، فكل ما تطلبه القيادة أن ينزل للأفراد ينزل وبكل دقة ووضوح وبحرارة، وكل ما يطلبه إخوانه من قيادتهم أن يتضح أو مقترح مطلوب أن تطلع عليه القيادة، وجب أن يصعد كما هو أيضًا، ويرى الأفراد الرد الوافي على تساؤلاتهم، ومصير مقترحاتهم، بحب وثقة وأخوة متبادلة. 12- أن يتفقد إخوانه فردًا فردًا، وأن يسعى بمصالحهم ويتأمل كل شأن من شئونهم بلا تبرم، وبكل حب وسرور. وليضع نصب عينيه دائمًا توجيه الإمام البنا: (وللقيادة في دعوة الإخوان حق الوالد بالرابطة القلبية، والأستاذ بالإفادة العلمية، والشيخ بالتربية الروحية، والقائد بحكم السياسة العامة للدعوة، ودعوتنا تجمع هذه المعاني جميعًا..) رسالة التعاليم. هذه بعض مهام ووظائف المربي على طريق دعوتنا المبارك، وللموضوع بقية نستكملها في مقال آخر إن شاء الله، أسأل الله سبحان هو تعالى أن يتقبل منا ومنك مصالح الأعمال، وأن يرزقنا جميعًا الإخلاص في القول والعمل وفي السر والعلن. وصلى الله وسلم على رسولنا وقدوتنا محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، واحمد لله رب العالمين.

No comments: